محمد فاروق النبهان

31

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

كانت تعاليمهم مما كان شائعا ومكررا ومتداولا لما أحدثوا في مجتمعهم ذلك التأثير العظيم في العقيدة والسلوك والقيم . ولا يملك الأنبياء في مجتمعهم ما يملكه الملوك وأرباب السلطة من وسائل الإقناع والإجبار والإكراه ، أو من وسائل الإغراء والعطاء ، ومعظم الأنبياء عاشوا في طفولتهم حياة فقر ويتم ، وامتلأت صفحات سيرتهم بالأحزان والشدائد ، ولا سبيل للاعتقاد بأن ما يملكون من شهرة ومكانة ورثوه عن آبائهم وأجدادهم ، ولا خيار لنا إلا أن ندرس هذه الظاهرة في إطارها العام دراسة موضوعية هادئة منصفة ، وسوف نكتشف النبوة حقيقة ثابتة ، لها دعائمها وخصائصها ومكوناتها ، وهي ظاهرة طبيعية في الحياة الإنسانية ، لا تستقيم الحياة إلا بها ولا تتكامل إنسانية الإنسان إلا بأن يستجيب لدعوة اللّه ، ويقف بخشوع أمام الرسالة التي يحملها رسل اللّه إلى الناس . إن نظرة يسيرة إلى تاريخ الأنبياء سوف تدلنا على عظمة دور الأنبياء في حياة الإنسان ، وسوف نكتشف من خلال قصص الأنبياء أن منهج الأنبياء واحد ، وتعاليمهم ليست متناقضة ، قد تختلف في بعض الأحيان ، ولكنها لا تختلف أبدا فيما يتعلق بمبادئ الإيمان باللّه ، والدعوة للفضائل ، ومحاربة الكفر والفسوق والمظالم الاجتماعية . ما أقسى حياة ذلك الإنسان الذي لا يؤمن باللّه ، وما أقسى الحياة بالنسبة له ، إنها حياة قاحلة كصحراء يشتد فيها الظمأ ، فلا ماء ولا ثمر ولا شجر ، إنها حياة يأس وقنوط ، وما أقسى مشاعر اليأس والقنوط . والوحي الذي تنزل على سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لا يختلف عن الوحي الذي تنزل على الأنبياء السابقين من حيث الظاهرة التي يمثلها الوحي ، وإن اختلفت وسائل التبليغ وكيفياته ، ولكل نبي وحيه الخاص به ، وخصوصياته ، ارتضاها اللّه لهم أسلوبا من أساليب التبليغ والتكليف . قال تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى